محمد أبو زهرة
1310
زهرة التفاسير
غفلته ، فإن النفس قد تظلم وتشتد ظلمتها ، ثم ينبثق إليها النور من إحدى النوافذ ، فتكون الهداية بعد الضلال ، والإيمان بالحق بعد الباطل ، وذلك مشروط بألا يمعن الشخص في طريق الضلال فيزداد كفرا وشرا ، أما الذين يمعنون في الغواية ، ولا يقفون فيها عند نهاية ، فإنهم يستمرون في غيهم يعمهون ، ولا يتوبون ؛ ولذا قال تعالى فيهم : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ . فهذا كما أشرنا قسم ممن كفروا بعد إيمان ؛ لأن أولئك قسمان أحدهما يرجى توبته ، وذلك هو الذي لم يوغل في طريق الكفر والإمعان فيه ، وقد أشار سبحانه بقبول توبته بقوله تعالى مستثنيا له : إِلَّا الَّذِينَ تابُوا . . . ( 89 ) [ آل عمران ] والقسم الثاني هم الذين كفروا بعد أن آمنوا ، ولم يكتفوا بذلك بل لجوا في العناد ، واسترسلوا في الغىّ ، واستمروا في مقاومة الحق ، فإنهم كلما أوغلوا في الباطل بعدوا عن التوبة والرجوع ، ومثلهم كمثل من يسير في صحراء وقد ضل الطريق ، فإنه كلما أوغل فيها ازداد ضلاله . وهذا القسم لا تقبل توبته ؛ لأنه لا يتوب توبة نصوحا ، وقد عبر سبحانه عن إيغالهم في الشر بقوله : ثُمَّ ازْدادُوا كُفْراً أي أن الكفر درجات ، وكل إيغال فيه ازدياد ؛ ذلك لأن الكفر جحود القلب مع قيام الأمارات والأدلة ، وكلما اشتد العناد اشتد الجحود ، واستغلظت الحجب التي تحول بين المرء والهداية ، فإذا كان الحجاب عن الإيمان بالحق رقيقا أولا ، فبالإمعان في العناد يغلظ الحجاب ، ويستمر في الغلظ حتى يحكم الإغلاق ، وهو الذي عبر اللّه عمن تصاب قلوبهم به بقوله تارة : طَبَعَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ . . . ( 108 ) [ النحل ] وتارة خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ . . . ( 7 ) [ البقرة ] وقوله تعالى مرة ثالثة : بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 14 ) [ المطففين ] . وأولئك قال تعالى فيهم : لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ ، فنفى سبحانه وتعالى قبول توبتهم ، ولنا أن نفسر نفى قبول التوبة على ظاهره بمعنى أنه قد تقع منهم توبة